قصة: نساء بشوارب
( هرمـــــون التحول) بقلم: ناجي عبد السلام السنباطي
إجتمع مسئولو القيادة البريطانية في مصر أثناء الاحتلال الإنجليزي بحثا عن حل لتصلب العمد في حمايتهم للناس في بلدانهم ليس فقط بل حمايتهم لاقاربهم في البلاد المجاورة ، قال القائد ماذا نفعل لهؤلاء العمد ، جئنا بهم ونصبناهم المراكز الممتازة ، وأسخينا عليهم بالمال والعتاد والمركز الاجتماعي ، ولكنهم يخشون مساعدتنا في القضاء على المتمردين ، هؤلاء الذين يقلقون منامناً ويحرموننا من تنفيذ أهدافنا الإستراتيجية.
رد عليه أحد الصحفيين الإنجليز ، وكم هي أهداف حيوية يا سيدي !! إن مصر تعـوم فوق آبار من الكنوز آثار الفراعنة وغير ذلك .. وباقي البلاد العربية كنوزها لا تحصي ولا تعد .
كم هو هدف عظيم يا سيدي !!
إصطنع القائد إبتسامة وقال هكذا أنتم أيها الصحفيون تبحثون وتحللون وتقولون أشياءا ليس لها وجود ،أهدافنا سامية ثم أردف قائلاً إنها مصالح علياً مصالح علياً لبريطانيا العظمي، والآن أرجو إخلاء قاعة الاجتماع من الصحفيين فالاجتماع من الآن سري.
أخليت القاعة من الصحفيين وأعلن القائد أن هناك خبيار أميركيا سوف يجتمع بكم الآن ليحدد الخطة التي تمكننا من السيطرة على العُمد. رد الصحفي الإنجليزي بخبث قبل أن يغادر القاعة ، حذار من الأمريكي ، قد يأخذ منك الفريسة !!.
· دخل الخبير الأمريكي وألقي التحية ، ثم قال أدخل في الموضوع مباشرة ،أيها السادة.. خطتي ببساطة ، هي العبث برجولة هؤلاء الرجال!!.
ضجت القاعة بالضحك إبتسم الخبير الأمريكي وقال يا سادة أنتم رجال حرب ولكن ملايين الخبراء يساعدونكم ليسهلوا لكم تحقيق مآربكم ومآرب الساسة الذين يحركونكم كقطع الشطرنج، يا سادة أنتم تعلمون أن دعايتكم كاذبة وأهدافكم العلنية كاذبة ، لتمرير ولتبرير حملتكم العسكرية وتجريدتكم لتأديب من يخرج عن طوعكم ،هدفكم يا سادة وبصراحة نهب ثروات الشعوب، ولكنكم تعلنون غير ما تبطنون، وها أنتم أمام مشكلة ولدينا الحل العلمي، والآن إليكم الفكرة لتجعلوا هؤلاء العُمد لعبة في أيديكم ،هؤلاء العُمد من الشرق من بدو ومن ريف عزتهم وكرامتهم في رجولتهم ،وسوف نعبث برجولتهم فيكونوا أطوع من الخاتم في الإصبع!! لقد إكتشفنا (هرمون التحول) وهـو هرمون أنثوي يحول الرجل إلي أنثي فلا يستطيع أن يفصح عن رأيه بصفته رجل وهو يشعر في نفسه أنه أصبح أنثي،!!
سنعطيكم هذا الهرمون وسوف تقدمونه لهؤلاء الرجال بصفته هرمون القوة والذكورة وسيقبلون عليه إقبال العطاشي على الماء وسترون نجاحات عظيمة فإفعلوا ما شئتم بهم أو بهن !!
إنسحب الخبير الأمريكي وسلم العقار الجديد للقائد ، وباقي القادة في إندهاش من هذه الفكرة ومن هذا العقار.
جمع القائد العسكري عُمد البلاد إلي إجتماع وأدخلهم في مناقشات جدلية حول المصالح العليا للبلاد، وكيف تعمل بريطانيا على حماية مصر والبلاد العربية من شرور الآخرين ، وأن ثروات البلاد يجب أن تكتشف ولصالح الشعوب وأنه لن يكون هذا إلا بمساعدة بريطانيا العظمي وحمايتها ،وأن بريطانيا لا هدف لها ، إلا تحرير الشعوب من الظلم ومن الانتهازية ومن المنتظرين للسيطرة على الشعوب.
لم يرد أحد من العُمد بعد محاضرة القائد فقد تعودوا بعد كل مناقشة معه ، التسليم بالأمر الواقع ، ففي إعتقادهم أنه لا فائدة من استمرار المناقشة، ولكن ما يطمئنهم أنهم دائماً واعون له ولألاعيبه ،ثم أن الجوع قد أخذ منهم شوطاً كبيراً.
سرعان ما إنفض الاجتماع وأعلن القائد الآن وجب الغذاء.
إعتذر القائد ومساعدوه عن حضور الغذاء وأوكل الأمر لزوجته وزوجات المساعدين، وخاطب العُمد .. خذوا راحتكم .. كأنكم في منازلكم وتمتم بعض العُمد في همس نحن حقاً في منازلنا وأنتم غزاة لنا ولأرضنا ، ولكن العُمد جميعهم سرعان ما أعلنوا فرحتهم ليس بالغذاء بل بجلسات هوانم الإنجليز!!.
أكل العُـمد ما لذ وطاب وهوانم الإنجليز يشرفن على المائدة. أكل العُمد كما لم يأكلوا من قبل وكان الطعام شهياً ومليئاً بالدسم وبالهرمونات الجديدة وإنتهوا بالمشروبات المعبئة بنفس الهرمونات.
عاد العُمد إلي بلادهم في سعادة ما بعدها سعادة وفي بهجة ما بعدها بهجة ودلفوا إلي ديارهم وبحثوا تلك الليلة عن حريمهم فاليوم يومهن رغم فارق الجمال وفارق الذوق وفارق المعاملة ، بينهن وبين نساء الإنجليز وبالإيحاء الذاتي كان هذا اليوم كأنه يوم عرسهم من جديد !!.
مرت الأيام وراء الأيام والعُمد في بهجة وفي سعادة فهم أعلنوا رأيهم في وجه الإنجليز وأكلوا طعام الإنجليز وتحدثوا إلي نساء الإنجليز ولم يخضعوا أو ينحنوا أو يفرطوا في حقوق البلدان ، لكن الأيام التالية ، كانت أكثر قتامة وعتامة ، ولم يعد الرجل منهم قادراً على حريمه ولم يعد قادراً على عمله .
ثم جاءت أيام ، وقد ظهر على كل منهم تحولات لا يدري لها سبب ،اً تحولات في الجسد وفي الأفكار وفي الشعور ، لم يعد لديهم قوة الثور ولا شهوته!! ولم يعد لديهم ملامح الرجولة وعنفوانها، لقد مال صوتهم إلي الانخفاض وإلي النعومة وأصبحت عضلاتهم المفتولة ناعمة كالحرير وبانت عليهم ملامح الأنوثة ولغتها حتي ضحكاتهم الخشنة ، صارت ضحكات ناعمة ، تحول عجيب ، حتي النساء ، عافتهم وبعدت كل واحدة عن زوجها،وقالت إمرأة فاجرة لأحد العُمد ، مالك يا عُمدة هل أنت عمدة ( دكر ) أم عمدة ( نتاية )؟! فقال لها العُمدة (إختشي يا بيت أنتي عرفاني من زمان راجل بن رجل ) فضحكت في ميوعة. عارفة يا عُمدة ولكن صوتك غير صوتك وجسمك غير جسمك( باين يا عمدة بقيت واحدة مننا) وضحكت وإنسلت بعيداً عن طريقه وهي تقول أجيبلك فستان يا عمدة ؟!!
جلس كل عمدة يفكر في حالته وإنتابته الهواجس فلا هو قادر على البوح ولا هو قادر على السكوت، فهجر كل عمدة عمله أو أداه بتكاسل أو جلس في منزله لا يخرج وخاطب كل منهم نفسه ماذا يا ولد ؟! ماذا جري لك ؟! أتجلس في البيت وتفعل فعل النساء ماذا جري لك ؟ الملامح تغيرت ، والصوت تغير ، الفحولة ذهبت ، وإشتهاء النساء ولي، هل سيأتي اليوم الذي تشتهي فيه الرجال؟؟ !! ماذا جري لك يا ولد؟! ماذا تفعل والحريم لا تفهم ولا تقدر ما أنت فيه من ذلة ؟!
من الممكن أن تذهب الفحولة ولكن من الصعب أن تذهب الرجولة وفعل الرجال . هكذا كان حال العُمد بعد أن كاد لهم القائد الإنجليزي والخبير الأمريكي فلم يصبحوا رجالاً ولم يتحولوا نساءاً بعد.
حان موعد الاجتماع الثاني مع القائد الإنجليزي حضر العُمد … ظل رجال … نساء بشوارب ..!!
إبتسم القائد الإنجليزي إبتسامة ماكرة فقد ظهرت أعراض الأنوثة واضحة على العُمد ثم تحدث مع نفسه و مع مساعديه وقال لهم عبقري ذلك الخبير الأمريكي .. لقد حقق لنا ما كنا نتمناه .. بينما نظر كل عمدة إلي زميله ولكن كل منهم كاتم لسره.
قال القائد الإنجليزي للعُمد علينا أن نقضي على كل متمرد يعارض سياستنا الإنجليزية، والتي هي نفس سياسة مصر ومن أجل مصلحة مصر العليا بل ومن مصلحة كل بلد عربي مجاور، وإسترسل قائلا: لقد رفضتم من قبل أن نقضي على المشاغب الذي يعمل على تأليب القبائل ضدنا، ضد إنجلترا العظمي ومصالحها ومصالح مصر العظمي التي هي في حماية عيوننا وفي حماية قلوبنا!! والآن ما رأيكم وقد بدأ يتعاظم نفوذه ويسود.
رد أحد العُمد ولكنه رجل وطني ومخلص وقال عمدة آخر ولكن هذا الرجل أنتم الذين قدمتموه لنا أحسن تقديم ، وأنتم الذين صنعتموه، ماذا حدث من تغير !!.. رد القائد في إبتسامة ماكرة،الأيام تتغير يا عمدة فأنت في الاجتماع الماضي كنت عالي الصوت خشن المظهر والآن أراك ناعم الصوت رقيق المظهر ، ماذا جري لك يا عمدة ؟! ما التحول الذي طرأ عليك ؟! صمت العُمدة وقد لمزه القائد في مقتل ، وصمت باقي العُمد خوفاً من سخرية القائد ، فالحال من نفس الحال، ضحك القائد وضحك مساعدوه ثم قال والآن ما رأيكم يا عُمد ؟!!
ردوا في نفس واحد ، الرأي رأيك أيها القائد ! ولكن ماذا تقول للناس والناس تعرف عنه القوة والشهامة والفتونة ، قال القائد ، شغلوا رجالكم في ترويج كل الدعايات السيئة عنه ، وسرعان ما ينبذه الناس .. رد العمد .. الرأي رأيك يا قائد!! وهل بعد رأيك رأى!!
إنفض الاجتماع .. وعاد العُمد .. يهيئون النـــاس للقضاء على ( المتمرد) وأذاعوا كل مهانة عنه وأذاعوا كل سوء عنه وأنه سبب المشاكل وسبب التخلف .. وتعجب الناس من هذه الإشاعات وتعجبوا أيضاً عندما تحركت الشركات الإنجليزية والأمريكية وفي حراسة قواتهم للقضاء عليه. في نفس الوقت التنقيب والبحث على كل ثروات البلاد من تراث ومن آثار وغير ذلك من كنوز الأرض ما فوقها وما تحتها.
ضج الناس بالشكوي ولا مجيب ، وزاد هياج الناس من أفعال العمد ومن أفعال الانجلبز بلا فائدة،و بدءوا يعدون العدة لعزل العُمد!!
نضجت الفكرة وشاع بين الناس أن العُمد لم يعودوا عُمداً، سواء في المواقف أو في الشكل أو في البدن أو في الحركة أو في الحديث .. وظهرت النكات عن العمد .. عُمدنا.. باين عليهم ( بئوا نسوان)… وغازل الرجال العمد في وضعهم الجديد !!
إجتمع العمد .. بعيداً عن أسرهم وبعيداً عن القادة الإنجليز … وتناقشوا فى مشكلتهم .. ماذا حدث لنا يا سادة ؟! بصراحة أصبحنا والحريم واحد ماذا يفرقنا عنهن لقد زادت مشاكلنا داخل البيوت وخارجها لم نعد نرضي زوجاتنا ولم نعد نرضي ناسنا ولم نعد نرضي أنفسنا وكل يوم يحصل القائد الإنجليزي منا على تنازل جديد .
قال أحد العُمد ………… بصراحة أن هذا التحول لم يظهر لنا إلا بعد الاجتماع مع الخبير الأمريكي والقائد الإنجليزي ، وما ثم في وليمة الهوانم وقال آخر …… أتصدقون …… لقد غازلني القائد على أنني أنثي !!
رد آخر الحل هو أن نبحث عن أسباب هذا المرض وطرق علاجه.
قال عمدة ، لنذهب إلي القائد الإنجليزي ، فقد يعرف الحل هو والخبير الأمريكي .
رد عُمدة ، ولكنهما سبب المصيبة.
ثم أن العمدة جاسم وحمد وصبحان وشريف ، ذهبوا إليه فعرضهم علي الخبير الأمريكي .. فقال لهم ليس هناك إلا حل واحـد .. قالوا وما هـو ؟ قال أن يصبح الشعور فعلاً وواقعاً !!.. قالوا وماذا يعني هذا .. قال الخبير بعملية جراحية بسيطة تصبحوا نساءاً بحق وبحقيق!!.
إندهشــوا .. وتساءلوا أبعد هذه السنين وأولادنا قد كبروا نتحول إلي حريم ؟! .. رد الخبير أليس أفضل من الوضع الحالي .. قالوا وكيف نواجه مجتمعنا .. رد الخبير إقنعوهم بالتطور .. أو مرحباً بكم في بلادنا حيث الحرية واتركوا لنا بلادكم نديرها لحسابكم !!
رد باقي العُمد وهل وافقوا علي العملية ؟! قال العُمدة وافقوا وأصبحوا نساءا لامعات!! .. يعشن في أمريكا وفي انجلترا وتركوا الإدارة لرجال أمريكا وانجلترا ..
رد عمدة لم تتمكن منه الأنوثة تماماً .. أعرف خبيرا عربياً .. سيشفينا جميعاً !!رد الباقي علينا به .. وذهبوا إلي الخبير العربي وحكوا الحكاية .. فإبتسم واثقاً وقال علاجكم في أيديكم .. سأعطيكم (هرمون الذكورة ) ولكن الأهم هـو إرادتكم أن تكونوا رجالاً وفعالكم .. تكون أفعال الرجال !!.
انتهت
بقلم:ناجى عبد السلام السنباطى
دراسة في عالم نجيب محفوظ الروائي و القصصي
مع التطبيق علي رواية ( الحرافيش ) وعلي قصة ( عنبر لولو )
اعتمدنا في هذه الدراسة علي مرجعين هامين بشكل أساسي أولهما كتاب نجيب محفوظ للدكتور حلمي بدير وكتاب القصة القصيرة للدكتور طاهر مكي ، وستنقسم الدراسة إلي قسمين إضافة إلي تمهيد.
تمهيد : ارتبطت الرواية والقصة القصيرة في نشأتهما بالصحافة ، وعلي نحو ما كان ( ديكنز) يكتب فصولا من رواياته ، وتنشر في جريدة حائط ، وكان ( فلوبير) ينشر مدام بوفاري أيضاً في جريدة ، وقد أتاح إتجاه الصحف المصرية لنشر الأعمال الأدبية مسلسلة بالصحف والمجلات ، الفرصة للعديد من الكتاب ، بالظهور والانتشار والتجويد والاستمرار ، وكانت الأهرام القاهرية وراء تعريف الجمهور المتلقي بنجيب محفوظ ، ونجيب محفوظ لم يتفوق في الرواية فقط والتي تابع بها الواقع الاجتماعي ومتغيراته ، وما يترتب عليه من ظواهر ولكنه تفوق أيضاً في مجال القصة القصيرة ، وقد توج كل هذا بحصوله علي جائزة نوبل في الآداب في 10/12/1988 ، وقد ترجمت أعماله إلي جميع لغات العالم قبل حصوله علي جائزة نوبل وبعد حصوله عليها.
المزيد